الشيخ محمد رشيد رضا

593

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المشترك كان على التوزيع فان كل نبي أوتي الحكم بمعنى العلم والفقه والفهم ، وما أوتيه الا بعضهم بمعني القضاء بين الناس كما تقرر وتكرر وأما إذا جرينا على القول بأن المشار إليهم في الآية هم أولئك النبيون ، ومن ذكر من آبائهم وذرياتهم واخوانهم فالحاجة إلى استعمال المشترك في معنييه أقوى ، فان بعضهم كان نبيا غير حاكم ، وبعضهم كان عالما حاكما غير نبي ، وبعضهم عالما حكيما غير حاكم ولا نبي ، ويكون إيتاء الكتاب أعم من إيحائه ، فان أمة الرسول الذي أنزل عليه الكتاب بايحائه اليه يقال إنها قد أعطيت الكتاب ، وآيات القرآن ناطقة بذلك . بل يقال أيضا ان الكتاب أنزل إليهم وعليهم كما نص في سورتي البقرة وآل عمران ، فالانزال على الرسل عبارة عن الوحي إليهم ، والانزال على الأمم عبارة عن مخاطبتهم بما أنزل على رسلهم لهدايتهم . ويؤيد هذا الوجه في تفسير الآية قوله تعالى ( 45 : 15 وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) الآية ثم قال تعالى مبينا وجه العبرة بما ذكر للمخاطبين بالقرآن فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ أي فان يكفر بهذه الثلاث - الكتاب والحكم والنبوة - هؤلاء المشركون من أهل مكة ، وقد خصوا بدعوتهم إلى الايمان بها قبل غيرهم ، إذ أوتيها على الوجه الأكمل رسول منهم ، فقد وكلنا بأمر رعايتها ، ووفقنا للايمان بها وتولي نصر الداعي إليها ، قوما كراما ليسوا بها بكافرين ، بل منهم من آمن ومنهم من سيؤمن عندما يدعى ، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله « فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ » : يعني أهل مكة ، يقول أن يكفروا بالقرآن ( أي الجامع لما ذكر كله لرسول اللّه ) « فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ » يعني أهل المدينة والأنصار اه . وروى مثله عبد بن حميد عن سعيد بن المسبب . وروي عن قتادة تفسير من يكفر بها بأهل مكة كفار قريش ، وتفسير الموكلين بها بالأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم اللّه تعالى هنا . وعن أبي رجاء العطاردي تفسير الموكلين بها بالملائكة . هذا هو المأثور ، الذي اقتصر عليه في الدر المنثور . وروى ابن جرير نحو قول ابن عباس عن الضحاك والسدي وابن جريج ، وذهب بعض المفسرين إلى « تفسير القرآن الحكيم » « 75 » « الجزء السابع »